الخميس، 23 نوفمبر 2017

فصل المقال في إيضاح قاعدة الدليل اذا تطرق اليه الاحتمال سقط به الاستدلال

فصل المقال في إيضاح قاعدة الدليل اذا تطرق اليه الاحتمال سقط به الاستدلال:

فصل المقال في إيضاح قاعدة الدليل اذا تطرق اليه الاحتمال سقط به الاستدلال
فصل المقال في إيضاح قاعدة الدليل اذا تطرق اليه الاحتمال سقط به الاستدلال

الحمد لله وحده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده،،،

لطالما أحتج كل مخالف من الذين يهدفون إلى ردّ الأدلّة والسنّة،بالقاعدة الأصولية المشتهرة،[الدليل اذا تطرق اليه الاحتمال سقط به الاستدلال] واتخذوها ذريعة لإسقاط الحجة ورد الحق،ولا يعني أن هذه القاعدة مشتهر ذكرها عند أهل العلم كالإمام الشافعي بقوله – ( إن حكاية الحال إذا تطرق إليها الاحتمال سقط منها الاستدلال)، وذكرها العلامة القرافي في كتابه الفروق المسمى بأنوار البروق في أنواء الفروق – فلا يعني تقريرها لدى أهل العلم أنها عمدة في الاحتجاج ويؤخذ بها على إطلاقها، لأن مدلولها ومرادها عند هولاء العلماء ليس على الإطلاق الذي يريده المخالفون،بل بضوابطها،والذي لا خلاف فيه أنه ليست هناك قاعدة أصولية أو فقهية إلا ولها حدود وضوابط في التطبيق وهذه القاعدة كمثيلاتها؛ ليست على إطلاقها عند العلماء،وليس معنى إيراد الإشكال على الدليل يعني إبطاله، ليتكيئ عليها من أرادوا هدم أي أصل أو رد أي دليل،

 لأن أي احتمال ليس من الصعب إيراده على الدليل،ولأن أكثر الأدلة الشرعية يتطرق إليها الاحتمال،فلا يوجد دليل إلا ويتطرق إليه الاحتمال،ولأنه إذا فُتح باب إبطال الأدلة بالاحتمالات لم يبق شيء من الأدلة إلا وسقط الاستدلال به،و لما بقي لنا دليل مطلقاً سواء كان ذلك في الفروع أو في الأصول، فتُبطل أدلة كثيرة في الأصول والفروع بدعوى تطرق الاحتمال إليها. لأجل ذلك وجب بيان معنى هذه القاعدة الأصولية المهمة مع بيان ضوابطها ومرادها، حيث تأكد عند المحققين من أهل العلم أن معنى هذه القاعدة ومرادها عند العلماء،أنها ليست على إطلاقها ولا على ظاهرها الصرف،ولا تستعمل مطلقة ومرسلة في غير موضعها،ومن استعملها على خلاف موضعها وجعل الاستدلال بها مطلقة ومرسلة فهو ذو غاية وهدف؛ وفي ذلك إبطال للاستدلال بالنصوص الشرعية،و الاعتراض على الأصول العلمية، وذريعة لرد كثير من الاحكام،ولا شك أن هذا المسلك مسلكا باطل، منحرف عن الجادة و الحق وهو جناية على العلم والأصول، لأن مبناه هدم أي أصل و رد أي دليل.



وأن معنى قاعدة [ الدليل إذا تطرق إليه الاحتمال سقط به الاستدلال]، أنه إذا احتمل وجوها عدة متساوية لا يمكن ترجيح أحدها على الآخر، فلا يمكن الاستدلال بأي منها إلا بدليل آخر مرجح لأحد تلك الوجوه، أو صارف للمعنى العام إلى خاص في النص،والمراد بالاحتمال هنا،ما كان من الاحتمالات قوياً له وجه شرعي يسنده، وقرائن احتفت به تقويه،وغير هذا من الاعتبارات الشرعية لا بمجرد الاحتمال ذاته، لأن أكثر الأدلة الشرعية إلا ويتطرق إليها الاحتمال، بالتالي فإن مجرد الاحتمالات الضعيفة وإيراد الإشكالات التي لا تسندها قرائن شرعية على الأصول والأدلة الشرعية لا يبطل الاستدلال بالأصول ولا يسقط الأدلة الشرعية، ولا يسوغ أن يتخذ قاعدة أو مذهبا لرد الدليل أو حتى مجرد القدح فيه.



وقد أكد ذلك شيخ الإسلام ابن تيمية في بيانه لهذه القاعدة و الضابط فيها في مجموع الفتاوي وذكر له عدة أمثلة، وذلك في سياق رده على من أرادوا إبطال الأصول ببعض الاحتمالات، منها على سبيل المثال رده على بعض أقوال الفقهاء الذين حكموا بنجاسة المياه بمجرد احتمال نجاسة الماء أو نجاسة الأنية التي فيها الماء بدون يقين، قال: [ وَالدَّلِيلُ الْقَاطِعُ: أَنَّهُ مَا زَالَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَالصَّحَابَةُ، وَالتَّابِعُونَ يَتَوَضَّئُونَ وَيَغْتَسِلُونَ وَيَشْرَبُونَ مِنْ الْمِيَاهِ الَّتِي فِي الْآنِيَةِ، وَالدِّلَاءِ الصِّغَارِ، وَالْحِيَاضِ، وَغَيْرِهَا، مَعَ وُجُودِ هَذَا الِاحْتِمَالِ، بَلْ كُلُّ احْتِمَالٍ لَا يُسْنَدُ إلَى أَمَارَةٍ شَرْعِيَّةٍ لَمْ يُلْتَفَتْ إلَيْهِ] وَذكر أيضا أنه قَدْ ثَبَتَ: أَنَّ عُمَرَ بْنَ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ تَوَضَّأَ مِنْ جَرَّةِ نَصْرَانِيَّةٍ مَعَ قِيَامِ هَذَا الِاحْتِمَالِ ( احتمال أن يكون الماء نجساً) وَمَرَّ عُمَرُ بْنُ الْخَطَّابِ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ وَصَاحِبٌ لَهُ بِمِيزَابٍ، فَقَالَ صَاحِبُهُ: يَا صَاحِبَ الْمِيزَابِ مِلْؤُك طَاهِرٌ أَمْ نَجِسٌ؟ فَقَالَ عُمَرُ: يَا صَاحِبَ الْمِيزَابِ لَا تُخْبِرُهُ فَإِنَّ هَذَا لَيْسَ عَلَيْهِ، مؤكدا على أن الاحتمالات الضعيفة وإيراد الإشكالات التي لا تسندها قرائن شرعية لا تبطل الاستدلال بالأصول. وفي هذا أبلغ الرد والجواب على القائلين أن( ما تطرق إليه الإحتمال بطل به الإستدلال ) لا يصلح الإستدلال به.



فمجرد ورود الاحتمال لا يبطل الاستدلال، فقولك : اشتريت قدحَ ماءٍ، يحتمل أنك اشتريتَ ماءً مقدار قدح، ويحتمل أنك اشتريت القدح (الإناء) ؛ فلا يجزم بأحد الاحتمالين إلا بقرينة ؛ فلا يصح أن نستدل لأحد الاحتمالين بهذه الجملة، فإن تطرق أي احتمال إلى الدليل لا يسقط الاستدلال به وإنما المقصود هو الاحتمال القوي المساوي أو المقارب يقول العلامة القرافي رحمه الله في كتابه الفروق[الاحتمال المرجوح لا يقدح في دلالة اللفظ وإلا لسقطت دلالة العمومات كلها لتطرق احتمال التخصيص إليها بل تسقط دلالة جميع الأدلة السمعية لتطرق احتمال المجاز والاشتراك إلى جميع الألفاظ لكن ذلك باطل فتعين حينئذ أن الاحتمالالذي يوجب الإجمال إنما هو الاحتمال المساوي أو المقارب أما المرجوح فلا ].



خلاصة القول أن القاعدة الأصولية (الدليل اذا تطرق اليه الاحتمال سقط به الاستدلال) ليست على إطلاقها عند العلماء وإنما لها ضوابط تحكمها، فلا يصلح أن تُستعمل إلا بضوابطها، ومن الخطأ إسقاط الاستدلال بمجرد ورود الاحتمال.


أبوأيوب.
المكان: Riyadh Saudi Arabia

0 التعليقات:

إرسال تعليق

يتم التشغيل بواسطة Blogger.
Scroll To Top